منذ القِدم حلم الفيزيائيون النظريون بتوحيد التفاعلات والقوى التي تحدث في الطبيعة بنظرية واحدة، ولقد أمضى “آينشتاين” الفترة الأخيرة من حياته محاولًا تطوير نظرية مجال قادرة على توحيد قوة الجاذبية والكهرومغناطيسية معًا بهدف فهم الكون بشكل أعمق، وكان معجب جدًا بما قام به “ماكسويل” بتوحيد القوة الكهربائية والمغناطيسية بقوة واحدة وهي “القوة الكهرومغناطيسية”؛ ولكن الحياة لم تسمح له ومات قبل أن يوحدها.
ما هي القوى الأربعة بالكون التي يحاول العلماء توحيدها ولماذا لم يستطيعوا حتى الآن أن يضموها بنظرية واحدة؟ أو ما يسمى بنظرية كل شيء؟
القوى الأربعة هي:
- القوة النووية القوية
- القوة النووية الضعيفة
- القوة الكهرومغناطيسية
- القوة الجاذبية
هناك نظريتين أساسيتين اعتمدت عليها الفيزياء الحديثة؛ نظرية الكم التي تفسر القوى الأساسية في عالم الصغائر “القوة النووية القوية، القوة النووية الضعيفة، القوة الكهرومغناطيسية”، والنظرية النسبية العامة التي تفسر القوى في عالم الكبائر “قوة الجاذبية”
وعلى الرغم من نجاح النظريتين الكبير بشكل مستقل لم يستطع العلماء توحيدها تحت إطار رياضي واحد “معادلة رياضية واحدة” لفهم الكون من الذرات إلى الثقوب السوداء؛ وذلك بسبب أن النظريتين تتعارض معًا، أحدهم للجسيمات الصغيرة جدًا والأخرى لما هو أكبر بكثير!
بمعنى أنه يجب أن تكون نظرية واحدة صحيحة، وهُنا تكمن المشكلة أن الأخرى تناقض الثانية، ويحاول العلماء جمعهم معًا لأن الحل الوحيد للإجابة على أكبر ألغاز الكون -نشأة الكون-؛ وذلك لأن القوى الأربعة كانت متحدة معًا في بداية ميلاد الكون.
نعرف أن النواة مكونة من بروتونات ونيوترونات، والنواة محاطة بسحابة إلكترونية تحتوي على إلكترونات، مع ذلك لا تعتبر هذه الأجزاء الذرية أصغر مكونات المادة، بمعنى أن البروتون والنيترون ليسوا جسيمات أولية
تتكون البروتونات والنيترونات من جسيمات تسمى الكواركات، لو استطعنا أن نكبر صورة هذه الجسيمات الصغيرة جدًا التي تكوّن كل المادة الموجودة في كوننا، سنصل وبصورة مفاجئة إلى أن الكواركات مكونة من أوتار وهذا ما تنص عليه نظرية الأوتار
نظرية «كل شيء» أو «نظرية الأوتار» هي ما تحاول أن تعمل على توحيد هذه القوى معًا، وتنص النظرية على “أصغر مكون للمادة ليس جسيمات أولية، ولكنها أوتار دقيقة متناهية الصغر ولها بعد واحد” ويوجد نوعين من هذه الأوتار (وتر مغلق وممكن أن يتحول إلى وتر مفتوح) و (وتر مفتوح لايمكنه التحول إلى وتر مغلق) وهذه الأوتار يحدث لها اهتزازات مثل أوتار الجيتار ولكن بالطبع لن ينتج عنها موسيقى! سينتج عنها جسيمات؛ وكل نمط معين للاهتزازات ينتج جسيم معين، والأوتار التي تهتز باستمرار تعتبر المكون الأساسي لكل المواد بالكون، منها أجسامنا إلى النجوم البعيدة، وهذا يعني أن الكون عبارة عن سمفونية من الأوتار المهتزة، العلماء لا زالوا إلى الآن يعملون على تطوير هذه النظرية ولكن؛ المشكلة التي تقابل النظرية هي أن معادلاتها لا تتفق مع كوننا! بمعنى أنها لا تعطي نتائج صحيحة مع الكون المكون من أربع أبعاد “الطول والارتفاع والعرض والزمن” مثل كوننا، ولكنها تتفق مع كون مكون من عشر أبعاد للمكان وبعد لزمن؛ فإذا كانت هذه النظرية صحيحة سيكون هناك سبع أبعاد غير مكتشفه بكوننا، وستكون أصغر بكثير من أن نرصدها أو نشعر بوجودها.
عملت هذه النظرية ثورة بالمجتمع الفيزيائي لقابلية الأوتار لتمدد لغشاء ضخم بحجم الكون متعدد الأبعاد، وفكرة وجود غشاء فتحت آفاق جديدة وكبيرة! وهي أن الكون عبارة عن غشاء واحد من ضمن فضاء أوسع متعدد الأبعاد، وهذا يعني وجود أكوان كثيرة موازية لنا وقد تكون مشابهة لنا أو مختلفة وقد تكون متداخلة ويوجد فيها كائنات حية ببعد آخر لذلك لا نستطيع رؤيتها، وتفترض أيضًا أن عند اصطدام كونين معًا سينتج عنه كون جديد.
والقائمين على النظرية يعتقدون أن الكون تكون من إحدى الفرضيتين، والذي نتج عنه «الإنفجار العظيم».
والأكوان هذه قد يحكمها قوانين فيزيائية مختلفة عن التي تحكم كوننا، مثلًا «الانتروبيا» قد تختلف وسيصبح كل شيء يمر بالعكس؛ من الأبرد إلى الأسخن، ومن أن تكون كبيرًا ومع مرور الوقت تصغر.
يبدو أن النظرية معقدة جدًا، وهذا متوقع من نظرية تحاول أن تفسر كل الظواهر الفيزيائية المعروفة في الكون تحت إطار رياضي واحد.
لدراسة هذه النظرية نحتاج لاستخدام رياضيات متقدمة، على الرغم من تعقيدها فإن هذه النظرية متسقة رياضيًا عند اختبارها؛ وبسبب هذا الاتساق الرياضي تعتبر نظرية الأوتار الفائقة هي المنافس الرئيسي للقب «نظرية كل شئ» أو «النظرية M» نظرية سعى إليها «آينشتاين» ولو تم إثبات هذه النظرية سنستطيع تفسير كل الأحداث الفيزيائية المعروفة في الكون .
رغم أن هذا الأمر يبدو بعيد وصعب، لكن الاختبارات الرياضية لهذه النظرية أظهرت صحتها، لذلك لم يتخلى العلماء عن محاولة التوحيد بينهم إلى الآن، وربما تكون أنت يا الفيزيائي أو أنا من سيوحدهم معًا.
كاتبة المقال:
الهنوف عبدالرحمن (عضو آستروفايل)
المصادر:
– كتاب الكون الأنيق – المؤلف/ برايان غرين – المترجم/ د.فتح الله الشيخ
– مقال نظرية الأوتار – زينة محمد – جامعة ديالى
– The Problem of Experimentation in String Theory – Social Sciences Journal 12 (3), 300-308, 2018