لطالما كانت وكالة ناسا في طليعة البحث والابتكار، حيث طورت تقنيات متقدمة لتلبية احتياجات رواد الفضاء خلال مهماتهم في بيئات قاسية وغير عادية، ومع مرور الوقت؛ تبين أن هذه التقنيات ليست مفيدة فقط في الفضاء، بل يمكن تطبيقها أيضًا لتحسين حياتنا على الأرض في العديد من المجالات؛ كما يشير كلايتون تيرنر المدير المساعد لمديرية بعثات تكنولوجيا الفضاء في ناسا، قائلاً: “لقد أدى العمل الذي نقوم به في الفضاء إلى تقنيات الملاحة، والتقدم الطبي المنقذ للحياة، وأنظمة البرمجيات المعززة التي لا تزال تفيد حياتنا على الأرض.” هذا يوضح كيف أن التقدم التكنولوجي الذي تم تحقيقه لدعم البعثات الفضائية يمكن أن يعود بالنفع الكبير على كوكب الأرض.
نشرت ناسا مقالًا بعنوان “Space Teach Gives Treadmill Users a ‘Boost” ويتحدث عن تقنية مبتكرة طورتها وكالة ناسا لمساعدة رواد الفضاء على ممارسة التمارين الرياضية في بيئة منعدمة الجاذبية، ولكن هذه التقنية لم تبقَ حبيسة الفضاء، بل وجدت طريقها إلى الأرض وساعدت العديد من الأشخاص في مجالات مختلفة؛ اعتمدت هذه التقنية على نظام تعليق يعمل بالضغط التفاضلي، مما يسمح بتقليل تأثير وزن الجسم أثناء المشي أو الجري، وهذا ما جعلها مفيدة في إعادة التأهيل وتحسين الأداء الرياضي، ساعدت هذه التقنية المرضى في العلاج بعد الإصابات، ومكنتهم من المشي والجري دون وضع ضغط كامل على المفاصل وهذا سرّع عملية التعافي، كما استفاد الرياضيون المحترفون منها لتقليل الإجهاد على أجسامهم أثناء التمارين المكثفة.
بسبب هذه التقنية المستوحاة من الفضاء، استطاع العديد من الأشخاص من تحسين أدائهم الرياضي والتعافي بشكل أسرع.
في مجال تحسين أجهزة الاستشعار، لعبت ناسا دورًا محوريًا في تطوير تقنيات حساسة ودقيقة يمكن تطبيقها في العديد من المجالات على الأرض؛ في مقال “Giving Sensors Good Optics”، تم تسليط الضوء على كيف استطاعت ناسا بالتعاون مع شركة DSP4 تحسين الأجهزة التي تقيس وتترجم القراءات من أجهزة الاستشعار إلى بيانات رقمية قابلة للقراءة على الكمبيوتر، هذه التحسينات جعلت الأجهزة أكثر قدرة على جمع البيانات بشكل أسرع وأكثر دقة.
تقنيات الاستشعار المتطورة التي تم تطويرها في هذا المجال تُستخدم في العديد من التطبيقات الحياتية مثل الرصد البيئي، وتساعد في قياس التلوث في الهواء والمياه، وكذلك في الأبحاث الطبية التي تتطلب بيانات دقيقة لمراقبة الحالة الصحية للمرضى، ومن أبرز التطبيقات التي استفادت من هذه التحسينات هي الرؤية الليلية، تحسنت الأجهزة الخاصة بها لتمكين الأمن والمراقبة من العمل بكفاءة في الظروف ذات الإضاءة المنخفضة، هذه التقنية ساعدت أيضًا في تطبيقات أخرى مثل السيارات ذاتية القيادة، التي تعتمد على أجهزة استشعار متطورة لضمان سلامة القيادة في مختلف الظروف.
قال باركر: “عندما بدأنا لأول مرة، كنا نضغط على زر ونحصل على البيانات بعد 90 ثانية، اليوم 150 عينة في الثانية.” وهذا ما يوضح كيف ساعدت الأجهزة الاستشعار من ناسا على التطوير.
تعد الأبحاث العلمية التي تجريها ناسا من أبرز المصادر التي تساهم في تطوير حلول مبتكرة لمعالجة قضايا بيئية هامة على الأرض، واحدة من هذه المبادرات هي الخبرة التي اكتسبتها ناسا في دراسة الشعاب المرجانية وكيف تم تطبيق هذه المعرفة في مجموعة من المجالات البيئية، في مقال “Coral Expertise Finds Broad Application” يوضح قدرة التكنولوجيا الفضائية على تقديم حلول عملية للمشاكل التي تواجه كوكبنا.
بدأت ناسا في دراسة الشعاب المرجانية في سياق مهمتها لفهم النظم البيئية تحت الماء من خلال استخدام تقنيات استشعار متقدمة، بما في ذلك الأقمار الصناعية، وقد أثبتت هذه التقنيات القدرة على تقديم رؤى دقيقة حول صحة الشعاب المرجانية من خلال تحليل الصور والبيانات التي يتم جمعها من الفضاء، هذا التحليل ساعد العلماء على تحديد حالة الشعاب المرجانية، بما في ذلك مستويات التلوث ودرجة حرارة المياه، مما يمكنهم من تقديم حلول لحمايتها.
ما يميز هذا البحث هو التطبيقات الواسعة التي نتجت عن عمل تقنيات استشعار ناسا، على سبيل المثال، تم استخدام هذه التقنية لمراقبة الغطاء النباتي في المناطق الساحلية، مما سهل عملية إدارة الموارد الطبيعية وحمايتها من التدهور.
نتيجة لهذه الأبحاث المتطورة، أصبحت لدينا تقنيات جديدة يمكن تطبيقها في مجالات الحماية البيئية والموارد الطبيعية بشكل عام، بما يساهم في حماية الشعاب المرجانية والبيئات البحرية التي تعتبر من الأنظمة البيئية الأكثر هشاشة على كوكب الأرض.
“في ناسا، هناك الكثير من الأشياء الأنيقة التي ربما لا تتعرض للعالم الخارجي، ومن الجيد أن يكون لديك مجموعة من الأشخاص الذين لديهم رؤى ينظرون إليها من وجهة نظر مختلفة ويلاحظون أنه يمكن استخدام هذا في مجالات أخرى أيضا”
هذا فقط من بعض ما تم تطويره وتقديمه من الفضاء للأرض، وغالبًا هذه إجابة لتساؤل «لماذا يذهب البشر إلى الفضاء في رحلات مليارية التكلفة؟»
كاتبة المقال: الهنوف عبدالرحمن
(عضو آستروفايل)
المصادر: